الأحد، 10 أغسطس، 2014

الـWindows فيه سم قاتل!… حقاً ؟!

 
 
 
قليل جداً من البرامج التي أستخدمها (أو أكون قد استخدمتُها) أثار إعجابي حتي تعلقتُ به عاطفياً، و لا أتذكر من تلك الفئة سوي الـVisual Studio و الـNetBeans و Kubuntu، ثم مؤخراً Windows 8 و تحديثاته. و أتذكر أنني كنتُ مع أحد أصدقائي في يوم من الأيام (حينما كنتُ في السنة قبل النهائية في الكلية) في أحد الحدائق، فأشار إلي مكعبات من القرميد مصفوفة علي شكل علامة المالانهاية في الرياضيات، فما كان مني إلا أن أشرق وجهي و قلتُ في سعادة “علامة الـVisual Studio” !، و لكم أن تتخيلوا إحساس ذلك الصديق ساعتها.
 
و نفس الأمر ينطبق علي توزيعة Kubuntu لسطح المكتب؛ حيث استخدمتُها لفترة طويلة و أثارت إعجابي إلي حد أن مجرد رؤية كلمة Kubuntu مكتوبةً في أي مكان يجعل قلبي يهفو ناحيتها. و لا زلتُ حتي اليوم أعتبرها أنضج التوزيعات المخصصة للمستخدمين العاديين؛ و السبب الرئيس وراء ذلك هو أنها تحوي كل البنية الأساسية التي ترثها من Ubuntu لكنها تضع واجهة الـKDE فوق كل ذلك، كبديل ممتاز لواجهة الـunity التي لا أحبها و أري أنها أضعف و أقل جمالاً (بالنسبة لي علي الأقل)، إذا ما قُورنت بالـKDE الغاية في النضج و الجمال و القابلية للتخصيص.

الغرض من الثرثرة السابقة هو أن أخبركم عملياً أنني أحب البرمجيات القوية و أتعلق بها قلبياً، صحيح أن تعلقي القلبي بها لا يجعلني أرفعها فوق مرتبتها التي تستحقها، و لا يجعلني أقلل من قدر البرمجيات المنافسة لها، و لكنني أحتفظ لها بمكان يليق بها في قلبي. و لا أفرق في هذا بين البرمجيات مغلقة المصدر و مفتوحة المصدر؛ حيث يظل البرنامج القوي قوياً في نظري سواء أكان كوده المصدري منشوراً أو غير منشور (بغض النظر عن موقفي الفكري من البرمجيات مغلقة المصدر). و بالتالي فإنني لستُ عدواً للبرمجيات مفتوحة المصدر كما قد يوحي إليكم بقية المقال، فأرجو أن تتذكروا هذا جيداً حينما ترون ما قد يدفعكم للصراخ: “لماذا تدافع عن الـWindows إلي هذه الدرجة؟!”.

الـWindows هو العدو !… حقاً ؟!

ليس من المفاجئ أن أقول أن كثير من محبي البرمجيات مفتوحة المصدر يكرهون الـWindows بكل إصداراته، و يجدونه يجسد ضعف الإمكانيات و الضعف الأمني أكثر من أي نظام تشغيل آخر واسع الاستخدام. و من العادي للغاية بالنسبة لهم أن يقوموا بعقد المقارنات بين توزيعات سطح المكتب من الـGNU\Linux و بين إصدارات الـWindows المختلفة؛ لإثبات قولهم بأن توزيعات الـGNU\Linux أفضل من عدد من النواحي، و بالتالي فهي قادرة علي استبدال الـWindows و أن تحل محله كبديل أكثر قوة و أمناً و أقل تكلفة و أشد حفاظاً علي خصوصية المستخدمين.

و بينما أوافقهم في الكثير من أقوالهم، إلا أنني أجد أن الكثيرين منهم لا يريدون سوي إثبات صحة وجهة نظرهم حتي و إن كان في أدلتهم بعض المغالطات. و يمكنني أن أستوعب مهاجمة الـWindows كما في الملصق الذي نشرته مؤسسة البرمجيات الحرة fsf عن Windows 8 لمحاولة صرف الناس عن استخدامه:
 
 
 
حيث لم يتم التحدث فيه عن مدي تميز البرمجيات الحرة تقنياً و خلافه، و لا عن مدي تخلف البرمجيات مغلقة المصدر (ما عدا في نقة واحدة فقط)، بل تم الحديث في المعظم عن الخطر الذي يمثله Windows 8 و البرمجيات مغلقة المصدر علي خصوصية المستخدمين و حياتهم الشخصية، بينما العكس مع GNU\linux و البرمجيات مفتوحة المصدر. و هكذا لا تستطيع أن تمنع نفسك من أن تحترم هذا الوضوح الذي يتحدثون به حتي و إن كنت لا تطيق كلامهم، و حتي و إن كانوا يرتكبون بعض المغالَطات في أحيان أخري فإنهم على الأقل لم يرتكبوها هذه المرة.

علي النقيض من ذلك ما تراه في المواقف المتشنجة اللاعقلانية التي يتخذها بعض المتعصبين للبرمجيات مفتوحة المصدر؛ فقد تري منهم من يحاول بشتي الطرق أن يثبت لك أن تجربة المستخدم في توزيعات الـGNU\linux لسطح المكتب (هكذا تعميماً) أفضل بكثير من تجربة المستخدم في أنظمة الـWindows (هكذا تعميماً) !، و حينما تخبره ببساطة أنك لا تجد هذا صحيحاً في كل الأحوال، و أن تجربتك مع Windows 8.1 أكثر من رائعة، و تتفوق علي كل شيء آخر، بينما تتفوق توزيعة kubuntu علي ما عدي ذلك، تجده يحمر غضباً و يصب عليك لعنات عدم الحيادية و معاداة عالم الحرية و نشر العلم للجميع !

أو مثلاً حينما تنتقد أن توزيعات سطح المكتب في GNU/Linux تجعل مسألة تنصيب البرمجيات علي نظام التشغيل قطعةً من الجحيم بالنسبة للمستخدم العادي، لعدم وجود توحيد قياسي بين التوزيعات المختلفة، مما جعل الأمور تتوزع بين التنصيب عبر الكود المصدري Source Code (صدق أو لا تصدق، هناك برامج لا يمكن تنصيبها إلا بهذا الشكل. صحيح أنها قليلة و لكنها موجودة !)، و حزم الـdeb و حزم الـRPM، و أن الـWindows يجعل الأمر كالتهام قطعة من الحلوي، و يكون كلامك هذا عن تجرية شخصية، تجد من يقول لك أنك لا تفقه شيئاً فى شئ، و أن تنصيب البرمجيات علي توزيعات الـLinux أسهل من شرب الماء البارد (هكذا تعميماً) !
 
و بالنسبة لهم فإن فالمشكلة أنك اخترتُ التوزيعات الخطأ !، رغم أن هذه هي عين المشكلة التي تتحدث عنها في الأصل، و هذا يشبه بالضبط أن تقول أن هناك مشكلة في هيئة النقل العام لأنها تسمح بوجود شاحنات متهالكة و لم تقم بتجديد أسطول الشاحنات كما ينبغي، فيرد عليك أحد المسؤولين في الهيئة بأن الخطأ من ناحيتك لأنك ركبت شاحنة متهالكة !، فيبح صوتك و أنت تصرخ بأن المشكلة ليست في ركوبك أو عدم ركوبك، بل في عدم إحالتهم لتلك الشاحنات للتقاعد من الأصل، و لكن المسؤول يظل علي عناده بأنك أنت المخطئ !.
 
و الهدف الوحيد لهم من وراء هذا كله هو إثبات أن الـWindows عبارة عن قطعة من القاذورات العفنة، فليس له من المميزات شيئ من الأشياء، و له من المعايب ما لا يحصره عد و لا حصر !. و هكذا تجد نفسك ككاتب تقني (أو حتي كمستخدم عادي) تواجه نوعاً من الإرهاب الفكري الغريب للغاية؛ فقد تعتاد علي إرهاب فكري يوجهه لك المتعصبون للبرمجيات مغلقة المصدر؛ بسبب أنها الأكثر انتشاراً في مجتمعنا، و الناس أعداء ما يجهلون، و الكثيرون يحبون أن تظل الأمور علي ما هي عليه لمجرد الألفة مع القديم، حتي و إن كان الجديد أفضل ألف مرة، و يبذلون قصاري جهدهم في منع الآخرين من التحدث عن مزايا الجديد؛ لأن هذا سيجعلهم في موقف الأضعف أو الأقل علماً، أو علي الأقل سيضطرهم إلي ترك الأجواء التي اعتادوا عليها و الانتقال إلي ما لم يعتادوا عليه، و معظم البشر يحبون الاستقرار للغاية لأنه يحفظ لهم أمانهم النفسي (حتي و إن كان أماناً زائفاً!).

الخلاصة

في النهاية أرجو أن يكون حكمنا علي الأمور و التقنيات المختلفة و البرمجيات ناتج عن مميزاتها و عيوبها، و أن نفصل بين رأينا الفكري المنهجي في تلك البرمجيات عن رأينا التقني. أنا هنا لا أطالب ألا تقول رأيك الفكري، و لا أطالبك بألا تصرح به مهما كان حاداً و/أو غير مألوف، و لا أطالب بعدم السير بناءً عليه، بل كل ما أطلبه أن تكون عادلاً في الحكم، و ألا يجعلك شنآنك و كرهك للبرممجيات مغلقة المصدر لا تعدل مع أولئك الأذكياء الذين سهروا الليالي في تقديم منتج متميز، بل يجب أن تعدل لأن هذا هو الأقرب للتقوي.

و أرجو ألا أفتح التلفاز في يوم من الأيام لأجد “يوسف وهبي” و هو يصرخ بهستيريا: “إلي وائل حسن الساكن في محافظة أسوان، لا تنصب أسطوانة الـWindows التي أخذتَها من أحد أصدقائك؛ الـWindows فيه سم قاتل، الـWindows فيه سم قاتل”
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق