الأربعاء، 16 أكتوبر، 2013

الإثبات عملياً

شاهدتُ منذ فترةٍ فيديو أعجبني للغاية عن تحدٍ أجرته شركة NeXT (التي أسسها "ستيف جوبز steve jobs" بعد أن ترك شركة apple في فترةٍ من الفترات)، التحدي الذي أقيم في أكتوبر من عام 1991م كان مسابقةً بين مبرمجٍ يعمل علي جهاز "NeXTstation color" من شركة NeXT و يستخدم بيئة البرمجة NeXTstep الخاصة بها، و مبرمجٍ يعمل علي جهاز "SPARC station 2GX" و يستخدم برمجيات OPEN WINDOW و DEV-GUIDE (و كل ذلك من إنتاج شركة sun). و تم تكليف الاثنين بعمل برنامجٍ تجاريٍ صغير نوعاً ما، مع إعطائهما مهلةً لمدة ثلاثة أيام لفعل ذلك.
خلال تلك الفترة كان يتم تسجيل التحديات و الصعاب التي يواجهها كل واحدٍ من المبرمجين، و كذلك نقاط التفوق و التأخر التي تمنحها البرمجيات التي يستخدمها كلاهما لهما، و في نهاية المهلة تم عرض أن مبرمج NeXT أنهي مهمته بسهولة و سلاسة، بل و زاد خصائص قوية لم تُطلب منه في البرنامج الذي أنجزه !، بينما لم يُنه مبرمج Sun المهمة الأصلية و أصابه الإرهاق لفعل ما كان يفعله الآخر بسهولة و يسر !، و حتي الأجزاء التي بناها مبرمج Sun كانت أقل في الإمكانيات من تلك التي بناها منافسه؛ لكونه اضطر إلي بناء العديد من الأمور من الصفر بينما كان بإمكان منافسه أن يستفيد من العديد من الإمكانيات الجاهزة في بيئة NeXTstep بما أسهم في تسهيل و تسريع عملية البرمجة بشكلٍ واضح.

الشاهد هنا أن مثل هذه العروض التوضيحية العملية ربما تكون أكبر أثراً بكثير من أي عرضٍ جاف المُحتوَي؛ لأنها توضح علي أرض الواقع الفارق بين التقنيات المختلفة في تسهيل أو تصعيب المهمات التي يجب إتمامها لإنتاج برمجياتٍ قويةٍ و احترافيةٍ ذات كفاءة. فبدلاً من أن أعرض عليك مجموعةً من الأرقام المصمتة سيكون من الأفضل أن أعرض تجربةً محسوسةً تشرح المعني الواقعي لتلك الأرقام الجافة.

مثالٌ آخرٌ علي مثل هذه الإثباتات العملية هو المؤتمرات العلمية التي تُقيمها الشركات التقنية الضخمة كل عام، مثل:
  • مؤتمر WWDC الذي تقوم بعمله شركة apple،
  • مؤتمر Google i/o و الخاص بشركة google كما هو واضح،
  • مؤتمر teched الخاص بشركة microsoft.
و اللاتي أتابعهن بشغفٍ شديد، و غيرهن الكثير من المؤتمرات العلمية المُشابهة للشركات و الكيانات التقنية الضخمة.

و ما يجعلني و يجعل الملايين نُقبِل علي المتابعة الدائمة ليس فقط معرفة آخر التقنيات الحديثة التي تنتجها تلك الشركات، ففي الإمكان أن نعرف ذات الشيء بمجرد قراءة بعض المقالات الإخبارية الجافة التي لا تستغرق قراءتها إلا وقتاً أقل بكثيرٍ من الوقت اللازم لمتابعة أحد المؤتمرات؛ بل أيضاً لأنها وسيلةٌ في منتهي الإثارة و الجذب للمشاهدة؛ بسبب أنها مؤتمرات مُقامةٌ خصيصاً لـ"الفشخرة العلمية" و التباهي بقدرة كل شركةٍ علي ابتكار الجديد و المُبهِر من التقنيات الحديثة، و توضيح أثر تلك التقنيات الحديثة علي الحياة اليومية للأناس العاديين بالصوت و الصورة.

علي سبيل المثال قامت شركة apple في مؤتمر WWDC 2012 بإذاعة فيديو عن تأثير التطبيقات التي تعمل علي منصتَيْ ipad و iphone علي الحياة اليومية لمجموعةٍ من المستخدمين، كان مِن ضِمنهم مجموعةٌ من الأطفال الفقراء في مومباي في الهند الذين استخدم أستاذهم "Srini Swaminathan" برنامج "3D4Medical" علي جهاز الـipad لشرح تشريح الجسم البشري لهم بشكلٍ غايةٍ في الجمال، هؤلاء الأطفال استوعبوا المفاهيم التي أراد الأستاذ إيصالها لهم وسط جوٍ من الاستمتاع و اللعب !، بل و عبَّرت إحدي التلميذات عن إمكانية أن تُدير عملها الخاص فيما بعد، أو أن تصبح أستاذة تُمارس التدريس بدورها.

هل يمكنك أن تغض النظر عن مثل هذا التأثير المُبهر مهما كانت مُعارضتك لسياسات apple ؟

الأقوي من ذلك أن أحد البرامج التي تم عرض أهميتها كان برنامج "Ariadne GPS" و الذي أوضح الفيديو أنه يساعد المكفوفين علي أن يتنقلوا بحريةٍ و أمانٍ في مختلف الأماكن، و الشخصية التي تم التركيز علي مساعدة التطبيق هي رجلٌ كفيفٌ يُدعي "Per Busch" من ألمانيا، حيث ساعده علي أن يسير في الغابة المجاورة بكل اطمئنان و راحة، بعد أن كان محروماً من الاستمتاع بهذا الأمر لفترةٍ طويلة بسبب فقدان نعمة البصر، و من فرط تأثري بحالة هذا الرجل بالذات اعتدتُ علي أن أُغالِب البكاء و أن يمتليء قلبي امتناناً للـiphone و لـapple و لمبرمج التطبيق "Giovanni Luca Ciaffoni" كلما سمعتُ "Per " يشكر لذلك البرنامج إعادة حريته إليه، هذا علي الرغم من كرهي البالغ لسياسات apple و موقفي المختلف من التقنيات التي تنتجها !

هل رأيتم كيف يمكن لمثل هذه الإثباتات و البراهين العملية أن تقلب الموازين رأساً علي عقب، إما من الناحية العقلية أو من الناحية العاطفية ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق