الثلاثاء، 29 مايو، 2012

صراع الكتاب الورقي و الإليكتروني: نموذجٌ للحروب الوهمية

في كثيرٍ من الأحيان يجد الإنسان نفسه قد زُجَّ به وسط صراعٍ مُحتدمٍ غاية الاحتدام، و من ثم يُضطر إلي تبني رأيٍ من الأراء التي يتصارع حولها المتصارعون لينضم بعدها إلي الفئة التي تناصر ذلك الرأي و تذود عنه.
لكن هذا ليس هو الصواب في رأيي؛ فالصواب هو أن يحلل المرء تلك الآراء جميعها ليري أيها المصيب و أيها المخطيء، أو ليقرر أن الأمر كله ليس إلا غباراً تذروه الرياح و ليس له من الواقع شيئاً !
و لو طبقنا هذا المنهاج علي الصراعات التي تدور حولنا هذه الأيام (في مختلف المجالات: من سياسةٍ و اقتصادٍ و أدبٍ... إلخ) لاكتشفنا (و لله الأمر من قبل و من بعد) أن أغلب تلك الصراعات ليس إلا بالوناتٍ فارغةً ليس هناك داعٍ لوجودها مطلقاً، و الهدف الحقيقي من ورائها لا يتعدي الترف الفكري أو إلهاء الناس بها لصرف أنظارهم عن الأشياء الاكثر أهميةً و فائدةً.

و كمثالٍ علي تلك الصراعات البالونية: المعركة بين أنصار الكتاب الورقي و أنصار الكتاب الإليكتروني.
و لكي يتبين لنا كم أنها معركةٌ مصطنعةٌ يجب علينا أن نضع بعض النقاط علي الحروف أولاً:
  • هدف المثقف الأساسي هو نشر الفكر و الثقافة بين الناس بغض النظر عن الوسيلة التي يستخدمها لذلك.
  • الشروط الوحيدة التي يجب توافرها في وسيلة التثقيف هي:
    • سهولة الاستخدام.
    • سهولة و سرعة الوصول إليها.
    • قلة الأعراض الجانبية من جراء استخدامها.
    • تحقيق بعض الربح المادي للناشر و المؤلف حتي يمكن لهما مواصلة القيام بدورهما.
  •  النشر الورقي يحقق الشروط المذكورة بنجاح، و لكن الكتاب الإلكتروني يحققها بنجاحٍ أكبر؛ و بالمقارنة بينهما سنري أن:
    • الكتاب الإلكتروني لا يحجز أي حيزٍ من الفراغ علي الإطلاق، بينما يأخذ الكتاب الورقي حيزاً يزداد كلما ازداد عدد الكتب الورقية، و بالتالي عند محاولة تكوين مكتبةٍ فسيتضح أن هذا أمرٌ في غاية السهولة في حالة الكتب الإلكترونية و أصعب بمراحل في حالة الكتاب الورقي.
      و كذا في حالة السفر نري أن الكتاب الإلكتروني أسهل في الحمل و في عدد الكتب التي يمكنك اصطحابها معك في أثناء السفر، بينما لا يمكنك أن تحمل إلا أقل القليل من الكتب الورقية التي سترهقك بدنياً و ستكون قليلة العدد جداً في نهاية المطاف.
    • تكلفة كتابة و نشر الكتاب الإلكتروني تكاد تكون صفراً؛ فالبرمجيات التي تلزم لكتابة الكتاب نفسه و تنسيقه يوجد منها الكثير بشكلٍ مجاني، و كذلك فهناك متاجرٌ إلكترونيةٌ متخصصةٌ لبيع الكتب الإلكترونية بمنتهي السهولة و اليسر، و لأن هذه التجارة لا تكاد تُكلف إلا أقل القليل فتكون أسعار الكتب الإلكترونية صغيرةً للغاية ولا تكاد تُذكر مقارنةً بالنسخ الورقية لذات الكتب ! فلو كان سعر كتابٍ إلكترونيٍ معينٍ خمسين دولارٍ مثلاً فسنجد أن سعر نسخته الإلكترونية علي الاغلب ربما لا يزيد علي الدولار الواحد !
    • لكي تشتري كتاباً ورقياً ربما تحتاج إلي السفر إلي مدينةٍ ما لوجود معرضٍ للكتب داخلها، أو لأن المكتبات الوحيدة التي تبيع ذلك الكتاب ليس لها فروعٌ إلا هناك !
      بينما الأمر في غاية السهولة في حالة الكتاب الإلكتروني؛ فبمجرد تصفحك لمواقع بيع الكتب الإلكترونية يمكنك أن تجد ضالتك التي تريدها، بل هذا يسمح لك أيضاً بأن تأخذ وقتاً أكبر للترجيح بين الكتب التي ينافس بعضها البعض (فلم العجلة ما دام الأمر متاحاً طوال الوقت).
    • بعد شراء الكتاب الإلكتروني سيصل إلي حاسوبك في ثوانٍ (أو دقائق اعتماداً علي سرعة الشبكة عندك، و كذا حجم الكتاب نفسه)، بينما ربما تحتاج إلي أيامٍ حتي يأتيك الكتاب الورقي حتي دارك (لو كان الكتاب لا يُنشر إلا في دولةٍ اخري)، بل ربما لا يمكنك أن تشتريه من الأصل نتيجةً لتكلفته الكبيرة مضافاً إليها تكلفة شحنه إليك !
    • يتساوي كلا الكتابين الورقي و الإلكتروني في نقطة الأعراض الجانبية؛ حيث أن إضعاف النظر فيهما له ذات القدر من القوة.
    • كما قلنا قبلاً أن تكلفة النشر الإلكتروني صغيرةٌ جداً بالمقارنة مع النشر الورقي، لذلك فالمكسب كبيرٌ حتي و إن كان السعر النهائي صغيرٌ جداً.

مما سبق نري أن المعركة مفتعلةٌ بالفعل، و الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجعل القارئ ينفر من استخدام الكتاب الإلكتروني هو الاعتياد لا أكثر و لا أقل، و هذا ما يمكن للزمن أن يتغلب عليه و لو ببعض الجهد و الصعوبة (عن تجربةٍ أقول هذا).

هناك 4 تعليقات:

  1. توجد مشكلة في الكتب الإلكترونية وهي سهولة القرصنة. فإذا كنت مؤلف وقمت بتأليف كتاب ونشرته في شكل كتاب إلكتروني، فيمكن لأول شخص يقوم بشراءه أن يقوم بنشره في أي مواقع من مواقع مشاركة الملفات ويقضى على إمكانية الربح من هذا العمل.
    للأسف في اﻵونة اﻷخيرة أصبح التأليف غير مُجدي وغير مربح، وربما ينتهي كمهنة مستقلة. ففي القديم كان يُمكن للمؤلف أن يكسب رزقه من التأليف فقط لكن اﻵن اختلف الحال. فأصبح القاريء يستطيع الحصول على المعلومة من اﻹنترنت أو الحصول على كتاب مُقرصن فهُجرت بذلك الكُتب الورقية.
    أذكر أني عندما قمت بترجمة كتاب "إبدأ مع أوبجكت باسكال" إلى اللغة اﻹنجليزية قام أحد المبرمجين من البرازيل بترجمته إلى اللغة البرتغالية في شكل كتاب ورقي، ويتم بيعه بتقنية الطباعة عند الطلب، حيث يقوم المشتري بشراءه عن طريق النت ثم يقوم الناشر بطبع نسخة وإرسالها لهذا المشتري.
    فقال أحد المبرمجين الصينيين أنه سوف يفكر في ترجمته إلى اللغة الصينية، لكنه قال أن الصينيين يُحبون الكُتب اﻹلكترونية، يقوم واحد بشراء الكتاب ثم يقوم بنشره مجاناً لبقية الصينين. فلم يقم بالترجمة لأنها سوف تكون مهمة خاسرة (من ناحية مادية)
    القراءة من الحاسوب غير مريحة، تصلح فقط لقراءة صفحات أو مواضيع قصيرة (عدة صفحات)، أريح منها القراءة من الكُتب الورقية، حيث يستطيع الشخص قراءة الكتاب من الجلدة إلى الجلدة كما يقولون، لكن ربما يكون هذا اﻷمر تغير من بعد صدور اﻷجهزة اللوحية، ولم أجربها بعد، ربما بعد التجربة يكون لي رأي آخر.

    ردحذف
  2. لفتَّ نظري إلي هذه النقطة التي لم أتحدث عنها جيداً (القرصنة و الملكية الفكرية و ضوابطهما)، ربما أفعل في الفترة القادمة بإذن الله تعالي لأن الأمر يحتاج إلي اضطلاعٍ فقهيٍ مُوسَّع.
    الربح من التأليف يقع جزءٌ منه علي الدولة التي يُفترض أن من أسباب إنشائها رعاية من يستظلون بظلالها في شتي المجالات، و لو نظرنا إلي حال الدولة الإسلامية قديماً لوجدنا أن المؤلفين لم يكونوا يكسبون من بيع نُسخ الكتب التي يؤلفونها (فمن يأخذ مقابل النسخ هو: النَسَّاخ)، و كان المؤلفون يأخذون هباتٍ من بيت المال (وزارة المالية) مقابل إبداعاتهم، صحيحٌ أن معظم هذا كان خاضعاً لمزاج الخلفاء (و لم يكونوا كلهم أهل علمٍ و أدب) إلا أن هذه كانت سمةً في الدولة تُحمد.
    النفور من استخدام الكتاب الإلكتروني أمرٌ يُقضي عليه بالتعود، و أنا الآن لا أكاد أقرب الكتب الورقية (إلا المصحف)، و أقرأ الكتب العلمية و الأدبية و الروايات و المقالات علي حاسوبي، و صار من أهم برامج الحاسوب عندي برنامج okular ^_^
    و بالتأكيد مع الأجهزة اللوحية ستكون الأمور أفضل بكثيرٍ جداً.

    ردحذف
  3. والله هذه فكرة جميلة وعلمية، أن تتولى الدولة رعاية تكلفة تأليف الكُتب، متمثلة في وزاراتها العلمية والثقافية، والتي تُنفق أضعاف مضاعفة في مواضيع لا تُفيد اﻹسلام بأي فائدة.
    وتأليف الكتب مهمة مُكلفة، فهي لا تقتصر فقط في التأليف والكتابة، بل تتعداه - خصوصاً في الكُتب العلمية- إلى عمل التجارب والدراسات، ومراجعة الكتاب كل عام على اﻷقل للتأكد من أن محتواه مطابق لما استحدث من العلم والتكنلوجيا. وهذه نقطة تتفوق فيها الكُتب الرقمية على الكُتب الورقة، وهي سهولة إصدار نُسخ جديدة كل فترة.

    ردحذف
  4. للأسف التصحيح غير ممكن في مُدونات قوقل :'(
    بخصوص التكلفة للكتب العلمية فهذا صحيح من ناحية المُحتوي، لكني أقصد عمليي التأليف و النشر في حد ذاتهما.

    ردحذف